الأحد، ١٩ سبتمبر، ٢٠١٠



التحق بالجامعة وهو يحمل مشاعر التاريخ، متعلقا بالغيب وقضايا التاريخ الإسلامي، مؤمنا بما ينبغي للريفي القح الأيمان به، وكان إلى ذلك يحملُ عاطفة دينية رقيقة تشبه في بعض نواحيها آداب المتصوفة، في الجامعة تعلمَ لبس النظارة الشمسية التي أنجته من ألم العين اليسرى عندما كان يقطع الشوارع في الشمس، لذا فقد تخلص من عادة السير مغمض العينين، كان لديه طباع الخفافيش التي لا تتقن التعامل مع الشمس وتجيدُ الدخول والخروج من كل مسارب الليل، لذا فقد رأى ما تراه الشمس فلم يعد يكنَّ لها البغض.

في الجامعة تخففَ كثيرا من تلك العاطفة الدينية الغيبية، ربما بسبب الواقع الذي يشده نحو الأرض، بعد أن كانت الأسرار الملكوتية تشغل قلبه صارت الأسرار التاريخية لتطور العقل تثير عقله، وصارت أحداث التاريخ تمثلُ له صورا عن حركة لا تتوقف لهذا التطور، حتى جاء الدور ليكون الدينُ وما فيه من غيب من ضمن ما ينتج عن هذه العجلة التاريخية التي لا تتوقف ليرى أن الدين شيء يتطور وفي تطورة يتغير وفي تغيره تختلف طرقه وطقوسه، وحتى أمسى الدين في رأيه شيء تتقنُ صناعته حركة الإنسان، فيزداد تعقيدا بعقده وتسامحا بتسامحه.

فإن كان دينُ المسيح في أول عهد المسيحية هو التسامح والرأفة والحب والرحمة، صار بعد قرون طقوس وصلوات وكتدرائيات وكنائس وسياسة ومحاكم واقتصاد وحرب وسلام، وبعد أن كان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وبعض التفاصيل عن السلوك الاسلامي والعبادات، صار بعد سنوات بسيطة حتى في عهد محمد الرسول نفسه حربا عندما استدعى الظرف ذلك،كما صار إليه الدين المسيحي، فالدين كلما يتقدمُ به العمر تزداد تفاصيله وتزداد طقوسه، فالصلاة هي الصلاة في مبتدأها الأول ولكنها الآن لها تفاصيل تُكتب ولها تأويلات تدور أينما دار الزمن وتنمو كيفما ينمو الزمن بناسه وأفكاره.

على سبيل الطرفه أخبره أحدهم أن أبو عيسى الحاج حسن الجارودي كان يقول كنا منذ كنا لا نتكلف في التعبد كثيرا حتى جاء الخميني فشاعت في كل الأوساط تفاصيل للشك والسهو في الصلاة، وتكرار للشك والسهو، نعم صدق أبو عيسى، وصدقت نتائج التطور الفني للبشر ومشاعرهم، فإن كان الزمنُ يتغير فلا بد للدين أن يتغير في مصالحه المرسلة وأحكامه الشرهة للتفصيل، ومستجدات فقهه وأبوابه، فلن يُعدم الحيلة أي مسلم في قولبة الكون كله في قالب ديني.

ولعل الحاج حسن أبو عيسى لو نظر في الأمر أكثر لقال أن الردايكالية الدينية رفعت برأسها عاليا أكثر في حالة تنافس بين قطبي السنة والشيعة أكثر بنجاح الخميني في دعوته وثورته فازدادت الصدور دفئا وتدقيقا وعنفا في تعاليم الدين، فقد خلق الخميني حالة تنافسية قوية بين السنة والشيعة، فكان الدينُ في تأثيره وتوسعه يشبه سباق التسلح وتوازن القوى في منطقة الشرق، زبد التنافس ديني وجوهره سياسي اقتصادي وربما كان تنافس بين أمتين عربية وفارسية.

وروى له بعضُ أصحابه عن أحدهم قال بأن أبو العلاء قال أن أي نص يُقرأ في محراب لسنوات لا بد أن يكون مقدسا منزها عن الخطأ، فتطور الدين غير مجتزأ عن التطور الاجتماعي، على أن مسيرة الديانة لا تعني أن يتطور االدين أبدا نحو الأعلى وحيث تزداد طقوسه تنظيما ونشاطا، وإنما للدين نهاية كما حدث للديانات السابقة كلها، فقبل اليهودية كانت ديانات متفرقة في كل مكان وكانت تتطور مع أهلها حتى أتى عليها زمنٌ صارت فيه من ضمن الإرث التاريخي للانسان وأحفورة تاريخية منفصلة عن السماء، وربما يناضل الدين قليلا فيتحول إلى أسطورة أدبية قبل أن يتحول لمادة تاريخية بحتة، ومرحلة من مراحل حياته السابقة التي يعتمدُ عليها في تنمية طريق عيش جديدة ودين جديد يناسب هذه الجدة في طريقة العيش.

الدين مصدر قوة لمن يدين به في مرحلة من مراحله ومصدر ضعف في مراحل من عمره أيضا، فالدين اليهودي من الديانات القديمة التي تعود لأكثر من أربعة آلاف سنة نجم في الأرض نازلا من سماء الأنبياء كأي دين آخر، بداية قصيرة الخطى خطاها بعضُ الأفذاذ مثل موسى وأشعيا ويهوذا ويعقوب وعلى مستوى فئة قليلة من الناس أو قبيلة أو مدينة حتى يزداد شيئا ويقوى وبالخصوص عندما يكون تحت عباءة السياسة كما حدث في عهد داوود وسليمان في مراحل متقدمة جدا من نضوج الدين اليهودي، وهكذا حتى جاء عليه الزمن الذي هزلَ جسده وتفرقتْ أجزاءه على يدي نبوخذ نصر البابلي وحتى صار الشعبُ اليهودي شراذم مشتتة في الدنيا عندما هدم مدينتهم وكنيسهم.

فالدينُ لا ينفك متشبعا بما تتشبع به نفوس البشر من حاجات في مراحل تاريخها.

0 التعليقات: